*✒️ غاندي إبراهيم.. يكتب.*
⭕ الداخل إلى مستشفى مدني للصحة النفسية يُفاجأ بواقعٍ صادم، فالمستشفى لا يكاد يحمل من اسمه سوى اللافتة الخارجية، مبانٍ متهالكة، غياب شبه كامل للأثاث والأجهزة الطبية، وجهاز الصدمات الكهربائية يعود إلى العام 1974، لا حمامات مؤهلة، لا مراوح ولا مكيفات، ولا بيئة صحية تصلح للعلاج أو حتى للبقاء.
⭕ حتى مياه الشرب غير متوفرة داخل المستشفى، ما يضطر المرضى والطلاب للبحث عنها خارج الأسوار، أما غرفة العناية الخاصة، فحالها لا يختلف كثيراً عن “كوشة” مهجورة، لا أسرّة صالحة، ولا أغطية آدمية.
⭕ يحدث كل ذلك في صمتٍ ثقيل، وعلى مرأى ومسمع الجهات المعنية، بينما يقف المستشفى على حافة الانهيار الكامل، مهدداً بالتوقف عن أداء رسالته الإنسانية، في واحدة من أخطر اللحظات التي تمر بها الخدمات الصحية بولاية الجزيرة، لفئة من أكثر فئات المجتمع هشاشة، المرضى النفسيون.
⭕ يعاني المستشفى من سلسلة أزمات متشابكة، أبرزها انهيار الكادر البشري، حيث انقطعت رواتب الأطباء والاختصاصيين لأكثر من خمسة أشهر، في ظل أوضاع اقتصادية قاسية، ما يجعل الاستمرار أقرب إلى التضحية القسرية، ويفتح الباب أمام الهجرة أو التوقف.
⭕ كما تشهد البنية التحتية تدهوراً حاداً، إذ تُدار الصيدلية من غرفة مؤقتة تفتقر لأبسط المقومات، بعد خروج المبنى الأصلي عن الخدمة، في مشهد يعكس حجم الإهمال وتأخر التأهيل.
⭕ ويبرز أيضاً غياب الخدمات الأساسية، وعلى رأسها المختبر، مما يضطر المرضى لإجراء الفحوصات خارج المستشفى بتكاليف تفوق طاقتهم، في انتهاك واضح لحقهم في العلاج.
⭕ ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يعاني المستشفى من شلل قانوني نتيجة توقف انعقاد اللجان الطبية، مما أدى إلى تعطّل إصدار التقارير الفنية المرتبطة بالقضايا العدلية، وهو ما يخلق فجوة خطيرة بين القطاع الصحي ومنظومة العدالة.
⭕ أما أصول المستشفى، فهي الأخرى، تحتاج الي معالجة ، حيث تُؤجَّر بعقود ضعيفة لا تعكس قيمتها الحقيقية، دون أن تعود عائداتها على تحسين الخدمات أو بيئة العمل.
⭕ المثير للقلق أن وزارة الصحة الاتحادية خصصت دعماً مالياً ضمن المشروع القومي لتطوير مستشفيات الطب النفسي، وبحسب المعطيات، فقد تسلمت معظم الولايات مستحقاتها، بينما لم يصل إلى مستشفى مدني شيء يُذكر، رغم الحديث عن وصول مبلغ (25 مليون جنيه) مخصص له.
السؤال الذي يفرض نفسه: أين ذهبت هذه الأموال؟ ولماذا لم تصل إلى المستشفى؟.
⭕ هذا الوضع لا يحتمل التبرير الإداري، يتطلب تحقيقاً شفافاً يحدد المسؤوليات ويعيد الحقوق إلى مكانها الصحيح، وفي ذات السياق، تشير إفادات من داخل وزارة الصحة بولاية الجزيرة إلى أن احتياجات المستشفى رُفعت إلى وزارة المالية، لكنها ظلت حبيسة الأدراج دون تحرك فعلي.
⭕ توقف المستشفى يعتبر كارثة متعددة الأبعاد:
– صحياً: مئات المرضى سيظلون بلا رعاية.
– اجتماعياً وأمنياً: تزايد مخاطر التشرد والانفلات
– عدلياً: تعطّل التقارير الطبية المرتبطة بالقضايا الجنائية
– أكاديمياً: فقدان أهم بيئة تدريبية لطلاب جامعة الجزيرة
، خاصة وأن المستشفى يخدم أربع ولايات: الجزيرة، سنار، النيل الأبيض، والنيل الأزرق.
⭕ لذلك نحن من هنا نطلق النداء الي الجهات التالية:
– حكومة ولاية الجزيرة
– وزارة الصحة الاتحادية والولائية
– وزارة المالية
– الجهات العدلية
– جامعة الجزيرة
– القطاع الخاص والمجتمع المدني
– أبناء مدني داخل وخارج السودان.
ادركوا مستشفى الصحة النفسية بمدينة ود مدني، وقدموا مبادرتكم من أجل الإصلاح.
⭕ لابد من تدخل عاجل وجاد، يشمل، صرف مستحقات الكادر الطبي فوراً، وفتح تحقيق شفاف حول مصير الأموال الاتحادية، وتخصيص ميزانية إسعافية لإعادة التأهيل، وتوفير الخدمات الأساسية، وعلى رأسها المختبر ، ومراجعة عقود استثمار أصول المستشفى وفرض إيجار المثل بما يحقق عائداً حقيقياً يساهم في الإستقرار.
⭕ إن إنقاذ مستشفى مدني للصحة النفسية، ضرورة وطنية وأخلاقية، فالمجتمعات تُقاس إنسانيتها بمدى رعايتها لأضعف أفرادها، وهؤلاء المرضى هم الاختبار الحقيقي لضمير الدولة والمجتمع، وإن لم يتم التدخل الآن، فقد لا يكون هناك مستشفى يمكن إنقاذه لاحقاً.
#الا هل بلغت اللهم فأشهد.
