النفط بين تحرير السوق وغياب الدولة

النفط بين تحرير السوق وغياب الدولة.

 

*✒️ غاندي إبراهيم.. يكتب*

 

⭕ يظل النفط أحد أهم مصادر الطاقة في العالم، ومحركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي والتنمية، ولا يزال حتى اليوم بلا بديل حقيقي قادر على تعويض دوره في المدى القريب، لذلك تنظر معظم الدول إلى قطاع النفط باعتباره قطاعاً استراتيجياً يرتبط بالأمن القومي والاستقرار الاقتصادي، وليس مجرد نشاط تجاري يخضع لحسابات الربح والخسارة.

 

⭕ في السودان، كانت شركات شل وأجب وموبيل وتوتال تتولى استيراد وتسويق المنتجات البترولية، إلى أن زار وفد من إدارة البترول في سبعينيات القرن الماضي جمهورية العراق بغرض شراء منتجات بترولية، وعندما علم الجانب العراقي بأن الاستيراد يتم عبر الشركات الخاصة، أبدى استغرابه مؤكداً أن سلعة بهذه الأهمية يجب أن تكون تحت إشراف الدولة مباشرة، ومن هنا بدأت فكرة إنشاء المؤسسة العامة للبترول، التي تطورت لاحقاً إلى المؤسسة السودانية للنفط، باعتبارها الجهة المسؤولة عن توفير هذه السلعة الاستراتيجية ذات البعد الأمني والاقتصادي.

 

⭕ وظلت الشركات تؤدي دورها الطبيعي في التوزيع الداخلي، بينما كانت الدولة تتولى الاستيراد والتخطيط وضبط السوق، غير أن سياسة السماح للشركات بالاستيراد بدأت في عام 2018، قبل أن تتوج بخروج المؤسسة السودانية للنفط من تجارة البترول بصورة شبه كاملة.

 

⭕ لا خلاف حول أهمية تحرير الاقتصاد ورفع الدعم لتحقيق التوازنات المالية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتخلى الدولة بالكامل عن دورها في قطاع استراتيجي كقطاع النفط، فالشركات الخاصة تسعى بطبيعة الحال إلى تعظيم الأرباح، وتنافس على شراء العملات الأجنبية، مما يزيد الضغط على سعر الصرف وينعكس مباشرة على أسعار الوقود وكافة السلع والخدمات.

 

⭕ كما أن السودان يمتلك مصفاة قادرة عند التشغيل على توفير نحو 60% من احتياجات البلاد من المنتجات البترولية ، فكيف تتخلى الدولة عن تجارة سلعة تنتج بنفسها الجزء الأكبر منها؟ وكيف تترك سوقاً بهذه الأهمية دون وجود لاعب حكومي قادر على تحقيق التوازن وضبط الأسعار؟.

 

⭕ إن عودة المؤسسة السودانية للنفط للقيام بدورها الكامل كمستورد ومنظم للسوق أصبحت ضرورة اقتصادية ووطنية، وذلك عبر:

– تخصيص جزء من عائدات صادر الذهب لتمويل استيراد الوقود.

– منح المؤسسة السودانية للنفط كامل صلاحيات الشراء والتعاقد والسداد.

– إعادة الشركات الخاصة إلى دورها الأساسي في التوزيع الداخلي.

– تحديد هوامش أرباح عادلة وضبط أسعار التوزيع.

– توجيه عوائد وأرباح القطاع النفطي مباشرة إلى خزينة الدولة.

 

⭕ كما ينبغي الاستفادة من الكوادر والخبرات الوطنية العاملة في القطاع النفطي، وإعادة هيكلة المؤسسات ذات الصلة بما يضمن توظيف الموارد البشرية بالكفاءة المطلوبة، إلى جانب توجيه جزء من عائدات النفط للاستكشافات الجديدة، وصيانة البنية التحتية، وزيادة الإنتاج من الحقول القائمة.

⭕ يمتلك السودان بنية تحتية نفطية وخبرات تراكمت عبر سنوات طويلة، وما يحتاجه اليوم ليس التخلي عن دور الدولة، بل تعزيز هذا الدور بما يحقق استقرار الإمدادات، وضبط الأسعار، وحماية الاقتصاد الوطني من التقلبات المستمرة في أسواق الطاقة والعملات الأجنبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *