من أعلى المنصة
ياسر الفادني
كنت أظن أن والي الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير ما زال في الخرطوم، فقد كان ضمن الولاة وحكام الأقاليم الذين شاركوا في اللقاء الاتحادي الذي انعقد لمناقشة قضايا الولايات ومعاش الناس، فإذا بي أراه اليوم فجأة في محفل كبير للصندوق القومي لرعاية الطلاب، بحضور عضو مجلس السيادة ، هنا توقفت قليلاً وقلت في نفسي: هذا الرجل يبدو أنه يعمل ببطارية لا تنفد…. لكن بعدها قلت ماشاء الله !
الطاهر إبراهيم الخير في تقديري يمثل حالة مختلفة في العمل التنفيذي، طاقة متجددة حضوراً وإنجازاً ومتابعة، يخرج من اجتماع في الخرطوم ليظهر في مناسبة بالجزيرة، ويغادر ملفاً ليدخل في آخر، وكأن المسافات عنده لا تُقاس بالكيلومترات وإنما بحجم المسؤولية
اللافت أن حضوره في الاجتماع الاتحادي لم يكن حضور والي ولاية والسلام، ما نما إلى علمي أن الأنظار كانت تتجه إليه باعتباره أحد الولاة الذين يحملون تجربة ولاية خرجت من واحدة من أقسى مراحلها، ثم بدأت تستعيد عافيتها وخدماتها وحياتها العامة، والجزيرة نفسها أصبحت تقدم تجربتها في التطبيع والإعمار باعتبارها تجربة قابلة للاستفادة منها، وهو أمر أكدته أيضاً إشادات رسمية حديثة بتجربة الولاية
لا أريد أن أسترجع التاريخ كثيراً، لكن المناقل وما أدراك ما المناقل، فهناك مواقف لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لأنها تحدث عن أصحابها ، وفي أحلك الظروف تظهر معادن الرجال، وليس في أوقات الرخاء، ولعل المركز الاتحادي رأى وقيّم ذلك الموقف الصلب في مرحلة كانت الجزيرة فيها تحتاج إلى من يقف على قدميه، لا إلى من يبحث عن أقرب مقعد
الذين يطلقون الكلام جزافاً في والي الجزيرة عليهم أن ينظروا إلى الأرض قبل أن ينظروا إلى الكلام ،الولاية اليوم ليست هي الجزيرة التي كانت بالأمس، ود مدني التي عانت ما عانت، بدأت تستعيد وجهها وحركتها وخدماتها، حتى إن الزائر إليها يستطيع أن يلمس الفارق الكبير في الحياة العامة والخدمات والتعافي، وقد وثقت التقارير الرسمية استعادة خدمات المياه وانتظام جوانب من الصحة والتعليم، إلى جانب استمرار خطط الإعمار والتعافي
كل مسؤول إتحادي يأتي إلى الجزيرة ويرى ما يجري فيها لا يأتي فقط لالتقاط الصور ، بل يرى تجربة على الأرض، حاكم إقليم النيل الأزرق، خلال زيارته الأخيرة، أشاد صراحة بتجربة الجزيرة في الإعمار والتطبيع والتنمية واستعادة الخدمات، واعتبرها نموذجاً للتعايش والتكاتف المجتمعي
لذلك فإن الحديث عن والي الجزيرة لا ينبغي أن يكون حديثاً عن شخص فقط، وإنما عن نموذج في الاستمرار تحت الضغط ، قد يختلف الناس حوله، وقد ينتقدونه، وهذا حق مشروع، لكن الإنصاف يقتضي أن تُقرأ التجربة من خلال ما تحقق على الأرض، لا من خلال الضجيج الذي يصنعه البعض بعيداً عن الواقع
الطاهر إبراهيم الخير، بلا مجاملة، أثبت أن معدن المسؤول يظهر عندما تشتد الرياح واليوم تبدو الجزيرة فخورة بأن واليها حاضر في الخرطوم وسط حكام الولايات، وحاضر في مدني وسط أهلها، وحاضر في تفاصيل الملفات اليومية
طاقة متجددة… لا تعرف محطة الوصول، لأن محطتها الحقيقية هي الجزيرة نفسها
إني من منصتي أنظر …. حيث أري …. أن المسؤول الذي يظل واقفاً في قلب العاصفة، ثم يخرج منها ليواصل العمل، يستحق أن يُقرأ بما يفعل، لا بما يُقال عنه.
