الحرب حين ترتد على أصحابها: إيران تستعد والمخاوف الاقتصادية تطارد أمريكا

 

كتب: حسن أبوالريش

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد احتمال عسكري يناقش في غرف القرار وإنما أصبحت أزمة تتجاوز حدود الجغرافيا العسكرية لتلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي وأسواق النفط وحركة الملاحة وأمن الخليج والبحر الأحمر وعلى حياة ملايين الناس الذين لا علاقة لهم بصناعة القرار والحروب

ومنذ اندلاع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران دخلت المنطقة في واحدة من أخطر مراحل التصعيد خلال السنوات الأخيرة ومع كل حديث عن عودة الضربات أو توسيع نطاق المواجهة ترتفع المخاوف من أن تتحول الحرب من مواجهة محدودة إلى صراع إقليمي واسع يصعب التحكم في مساراته أو تحديد نهايته وامس أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة لن تشن هجوما جديدا على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر مع استمرار المحادثات مع طهران لكن هذا الإعلان لا يعني انتهاء الخطر في ظل استمرار التوتر والاستعدادات العسكرية والتهديدات المتبادلة

إيران تستعد لجولة جديدة

في الجانب الإيراني تبدو طهران وهي تتعامل مع احتمالات استئناف المواجهة باعتبارها احتمالا جديا فالرسائل الإيرانية خلال الفترة الماضية أوضحت أن أي هجوم جديد لن يمر من دون رد وأن طهران مستعدة لتوسيع دائرة المواجهة إذا تعرضت لهجوم أمريكي أو إسرائيلي

وهنا تظهر واحدة من أخطر النقاط في المشهد فإذا دخلت إسرائيل بصورة مباشرة إلى جانب الولايات المتحدة في أي جولة جديدة فإن إسرائيل نفسها ستكون جزءا مباشرا من حسابات الرد الإيراني

وهذا ليس مجرد افتراض نظري فقد شهدت المواجهات السابقة ضربات إيرانية باتجاه إسرائيل كما شهدت المنطقة ضربات أمريكية وإسرائيلية ضد أهداف إيرانية

وبالتالي فإن دخول إسرائيل مجددا إذا حدث لن يكون تفصيلا عسكريا صغيرا بل قد يمثل انتقالا إلى مرحلة أكثر اتساعا من الحرب

إسرائيل بين الاستعداد والمشاركة المباشرة

إسرائيل تبقى لاعبا أساسيا في هذه المعادلة فقد أثبتت التطورات السابقة أنها لا تتعامل مع الملف الإيراني باعتباره ملفا أمريكيا خالصا بل ترى في إيران تهديدا استراتيجيا مباشرا لأمنها

وفي المواجهات السابقة نفذت إسرائيل ضربات داخل إيران وردت طهران بضربات باتجاه إسرائيل وهو ما جعل الصراع يتجاوز الحسابات التقليدية وفتح الباب أمام احتمال انتقال المواجهة إلى جبهات متعددة

لكن في الجولة الحالية يجب التفريق بين الاستعداد والمشاركة المحتملة وبين الإعلان عن بدء عملية عسكرية جديدة و إسرائيل بدأت بالفعل بالدخول في جولة جديدة إلى جانب الولايات المتحدة

الرد الإيراني قد يفتح أبوابا أخرى

إذا بدأت الضربات من جديد فإن السؤال لن يكون فقط أين ستضرب الولايات المتحدة

السؤال الأخطر سيكون كيف سترد إيران

فطهران قد تجد نفسها أمام خيارات متعددة تبدأ من استهداف القوات والمنشآت الأمريكية وقد تمتد إلى إسرائيل أو إلى مصالح مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة

وقد سبق أن أثبتت الأحداث أن اتساع المواجهة لا يحتاج إلى قرار معلن بتوسيع الحرب إذ يكفي أن تضرب منشأة في دولة ثالثة أو ناقلة نفط أو قاعدة عسكرية أو ممر ملاحي حتى تدخل أطراف جديدة في دائرة الأزمة

ومن هنا يصبح احتمال استهداف إسرائيل إذا شاركت في هجوم جديد على إيران من أخطر السيناريوهات المطروحة لأن ذلك يمكن أن يدفع إلى سلسلة من الضربات والضربات المضادة يصعب معها تحديد أين تنتهي الجولة الجديدة

مضيق هرمز سلاح الاقتصاد في الحرب

ولعل أخطر ما في هذه المواجهة أن تداعياتها لا تحتاج إلى سقوط صاروخ على الأراضي الأمريكية حتى يشعر المواطن الأمريكي بها

يكفي أن تتعرض حركة النفط والملاحة للخطر

فمضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات النفطية في العالم وتمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية ومع تصاعد التوتر ترتفع المخاوف من اضطراب حركة الإمدادات

وارتفاع النفط لا يتوقف عند محطة الوقود فارتفاع أسعار الطاقة يعني ارتفاع تكلفة النقل ثم زيادة تكلفة السلع ثم زيادة تكاليف الإنتاج وفي النهاية يتحول الصراع الجيوسياسي إلى فاتورة يدفعها المواطن في متجره ومحطة الوقود

المواطن الأمريكي الضحية التي لا تظهر في صور الحرب

وهنا يجب التفريق بوضوح بين الحكومة الأمريكية والشعب الأمريكي

فالمواطن الأمريكي العادي ليس هو من يقرر الحرب ولا هو من يحدد أهدافها ولا هو الذي يجلس في غرف العمليات العسكرية لكنه قد يكون من أوائل من يدفعون ثمنها اقتصاديا

ارتفاع أسعار البنزين يضغط على العامل الذي يقود سيارته يوميا إلى عمله وعلى الأسرة التي تحتاج إلى السيارة لتوصيل أطفالها وعلى المزارع الذي يعتمد على الوقود وعلى الشركات التي تحتاج إلى النقل وعلى المتاجر التي تدفع تكلفة أعلى لإيصال بضائعها

والأخطر أن استمرار الحرب يخلق حالة من عدم اليقين الاقتصادي فالشركات تؤجل استثماراتها والأسواق تتقلب وأسعار الطاقة ترتفع ويزداد الضغط على الأسعار وتكاليف المعيشة

وهذه المفارقة تستحق التوقف عندها فالحرب التي قد تبدأ بقرار سياسي أو عسكري يمكن أن تصل آثارها إلى المواطن الذي لم يشارك في اتخاذ القرار

الحرب لا تتوقف عند حدود إيران وأمريكا

المشكلة أن الحرب إذا اتسعت فلن تبقى أمريكية إيرانية فقط

فالخليج حاضر وإسرائيل حاضرة والعراق وسوريا ولبنان واليمن والبحر الأحمر يمكن أن تتأثر جميعها بدرجات مختلفة

وتزداد الخطورة عندما تتداخل جبهات الخليج مع مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب فقد أصبحت حركة الملاحة بالفعل أكثر حساسية لأي تصعيد في المنطقة

وهذا يعني أن أي حرب طويلة يمكن أن تتحول إلى أزمة طاقة وشحن وتأمين وغذاء على مستوى دولي

المستوطنون والأجانب أمام فاتورة الحرب

ومن الجوانب التي ظهرت في المواجهات السابقة تأثير الحرب على حياة السكان داخل إسرائيل وعلى الأجانب الموجودين فيها

فعندما تتعرض المدن للضربات ويتوقف الطيران وتتعطل حركة السفر يصبح المواطن والمقيم والأجنبي أمام واقع جديد لا علاقة له بالحسابات العسكرية

وقد شهدت مراحل التصعيد السابقة عمليات مغادرة ونقل للأجانب وعودة بعض الإسرائيليين إلى البلاد عبر طرق بديلة بعد اضطراب حركة الطيران

وهذه الصورة تكشف جانبا آخر من الحرب وهو أن الصراع لا يبقى داخل غرف العمليات العسكرية بل يدخل مباشرة إلى حياة الناس وإلى السفر والعمل والتعليم والأسرة

وإذا دخلت إسرائيل في مواجهة جديدة بصورة مباشرة إلى جانب الولايات المتحدة فإن احتمال تكرار هذه التداعيات يبقى قائما مع اتساع دائرة الخطر

من يدفع الثمن الحقيقي

في كل الحروب توجد خرائط عسكرية وأهداف استراتيجية وتحليلات سياسية لكن خلف هذه الخرائط يوجد إنسان

هناك أسرة في إيران تخشى فقدان منزلها

وهناك أسرة في إسرائيل تعيش تحت صفارات الإنذار

وهناك جندي أمريكي بعيد آلاف الكيلومترات عن بلاده

وهناك عامل عربي يخشى ارتفاع أسعار الغذاء والوقود

وهناك مريض يحتاج إلى دواء قد ترتفع كلفة نقله

وهناك أطفال لا يعرفون لماذا أصبحت أصوات الطائرات والصواريخ جزءا من حياتهم

لهذا فإن الحديث عن الحرب لا ينبغي أن يبقى محصورا في عدد الصواريخ والطائرات وحجم الترسانة العسكرية فالخسارة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الإنسان هو الرقم الأخير في معادلة القرار

بين الردع والحرب هل ما زالت الدبلوماسية ممكنة

المعادلة الحالية تقول إن الولايات المتحدة تريد الحفاظ على قوة الردع وإيران تريد ألا تظهر بمظهر الطرف الذي يمكن إخضاعه بالقوة وإسرائيل تريد ضمان أمنها ومنع ما تعتبره تهديدا استراتيجيا

لكن بين هذه الحسابات الثلاثة يقف العالم كله أمام سؤال واحد

هل يمكن تحقيق الأمن بالقوة وحدها

قد تستطيع القوة تدمير منشأة أو تعطيل برنامج أو إضعاف جيش لكنها لا تستطيع وحدها بناء سلام دائم

والتجارب التاريخية تؤكد أن الحرب قد تنتهي عسكريا لكنها تترك وراءها أسبابا لحرب أخرى إذا لم تعالج جذور الأزمة

لذلك فإن الاختبار الحقيقي للقوى الكبرى ليس فقط قدرتها على شن الحرب وإنما قدرتها على منع الحرب عندما يكون ثمنها أكبر من أي مكسب سياسي محتمل

فلسطين في قلب المشهد

وفي خضم هذا المشهد لا يمكن أن تغيب القضية الفلسطينية عن حسابات الأمة الإسلامية

ففلسطين والقدس والمسجد الأقصى ليست مجرد ملفات إقليمية عابرة وإنما قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي

ومن هنا فإن الحديث عن الحروب في المنطقة لا ينبغي أن ينحصر في المواجهة بين واشنطن وطهران أو في احتمال دخول إسرائيل في جولة جديدة لأن كل هذه الملفات متداخلة مع أمن المنطقة ومستقبل شعوبها وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني الذي ما زال ينتظر حلا عادلا يضمن حقوقه وأمنه وحريته

وكان مطلب نصرة الشعب الفلسطيني حاضرا في مواقف الأمة الإسلامية لكن النصرة لا ينبغي أن تختزل في الشعارات وحدها وإنما يمكن أن تتحول إلى موقف سياسي ودبلوماسي وإنساني وقانوني منظم يدعم حماية المدنيين ويساعد على إعادة الإعمار ويدفع نحو حل سياسي عادل

وهنا تلتقي القضية الفلسطينية وهي أن المنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة وإنما تحتاج إلى إرادة سياسية توقف دوامة الحروب

وقفة أخيرة

في النهاية قد تختلف الحكومات وتتغير التحالفات وتتبدل موازين القوة لكن الشعوب تبقى هي التي تدفع الثمن

الشعب الأمريكي يحتاج إلى اقتصاد مستقر وحياة آمنة والشعب الإيراني يحتاج إلى الأمن والتنمية والحياة الكريمة و تحتاج شعوب المنطقة كلها إلى أن تنتهي دوامة الخوف والقتل والنزوح

والشعوب العربية التي عانت طويلا من الحروب والصراعات تعرف أكثر من غيرها أن الحرب لا تمنح الإنسان حياة أفضل لمجرد أن طرفا أعلن انتصاره

لقد آن الأوان لأن تكون حياة الإنسان هي المعيار الأول في حسابات السياسة وأن يكون السلام هدفا حقيقيا لا مجرد هدنة بين حربين

فالانتصار الحقيقي ليس في عدد الصواريخ التي أطلقت ولا في حجم المدن التي دمرت ولا في عدد الخصوم الذين أضعفوا وإنما في أن تستيقظ الشعوب صباحا دون أن تخشى الحرب وأن يجد الأب أبناءه إلى جواره وأن يذهب العامل إلى عمله وأن يعود الطالب إلى مدرسته وأن تصبح الموارد مخصصة للبناء لا للهدم

إن إنهاء الحروب ليس ضعفا والدخول في السلام ليس استسلاما

بل إن أعظم قرار يمكن أن تتخذه القوى المتصارعة عندما تدرك حجم الخسائر هو أن تتوقف قبل أن يصبح الثمن أكبر من قدرة الجميع على تحمله

فالحرب قد تبدأ بقرار من رجل أو مجموعة من الرجال لو الكيان الذي ملا الارض حروببا لكنها لا تنتهي إلا عندما تتوقف الشعوب عن دفع ثمنها

ومن أجل فلسطين ومن أجل شعوب إيران و باقي الشعوب المستضعفه كلها تبقى الرسالة الأهم هي وقف دائرة العنف وحماية الإنسان وإنهاء الحروب وفتح الطريق أمام السلام والعدالة وإعادة الإعمار

فالحرب قد تبدأ بقرار سياسي لكن السلام أيضا يبدأ بقرار سياسي والقرار الذي ينقذ حياة إنسان قد يكون أعظم من ألف صاروخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *