صور من الزمن الجميل — والدتي الشول وتسامحها العظيم

*بروف أبشر حسين🖋*

إن لم أكن أحد أفراد هذه القصة لما صدقتها.
كغيري من أفراد الطبقة العاملة، نشأت وترعرعت في أسرة بسيطة بذل راعيها مجهودًا كبيرًا لتوفير أبجديات الحياة، على حسب تصوره وإمكاناته. في ذلك الزمان، في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان العلاج والتعليم مجانيين، ولكن في أوائل السبعينيات، ظهرت رسوم بسيطة للامتحانات، لم تكن تعني الكثير ولكنها كانت صعبة بالنسبة لنا.

أذكر أن والدتي طلبت مني أن أرافقها إلى مدير التعليم لنطلب إعفاءنا من هذه الرسوم. وعندما ذهبنا إلى مكتبه، قابلنا بطريقة مستبدة وقال لوالدتي: “يا الشول، إذا كنتِ ما قادرة تدفعي المبلغ التافه ده، مقرين ولدكم لي.” لا زلت أذكر وجه أمي وكمية الإحباط التي أصابتها، خاصة أن هذا المسؤول كان من بلديتنا.

عدنا إلى البيت مشيًا لتوفير أجرة المشوار. في المساء، ذهبت إلى خور أبو عنجة للمشاركة في لعب كرة الشراب مع أقراني، لكن بسبب القرف الشديد لم أستطع اللعب، فجلست على طرف الخور. لحقني صديقي (م.ب) وسألني عن السبب، فحكيت له ما حدث مع مسؤول التعليم. قلت له إن أمامي خيارين: إما أن أترك المدرسة أو أن أجد عملًا في فترة العصر.

في نفس المساء، ونحن نذاكر في نادي قلب الأسد، جاءني صديقي وقال إنه أخبر أخاه الأكبر بقصتي، وأن أخاه قال لي: “خلّي أبشر يجي”. ذهبت إليه وأخبرني عن فرصة عمل صباحية تبدأ من وقت صلاة الفجر وحتى السابعة صباحًا ببلدية أم درمان (ضمن بند الهندي، وهو عمل لدعم أبناء الأسر الفقيرة).

بدأت العمل، وكنت أذهب مع صلاة الفجر وحتى الساعة السابعة صباحًا، ثم أتوجه إلى المدرسة. كان العمل يتطلب صب زجاجات كبيرة مليئة بالزيت في المجاري والمراحيض. كانت منطقة عملي في الهاشماب، وكان يشرف علينا شخص يُدعى “عمر”، ساعدني كثيرًا؛ كان يأخذ الزجاج الفارغ ويرجعه للبلدية، مما أتاح لي الذهاب إلى المدرسة في الوقت المحدد.

كنت سعيدًا بهذا العمل لأنه جعلني أشارك في مسؤولية البيت، على الرغم من خوف أمي من تأثيره على مستواي الدراسي. لكن في أول امتحان، أحرزت أعلى الدرجات. مع حلول الإجازة، أضفت عملًا آخر إلى جدول يومي؛ بعد انتهاء دوام البلدية، كنت أذهب للعمل فى البلدية. وعندما كبرت قليلًا، عملت في مشتل الخرطوم .

مرت الأيام، وتخرجت من كلية الطب بجامعة الخرطوم، ثم أصبحت أخصائي باطنية، وبعدها تخصصت في المخ والأعصاب.

ذات يوم، استُدعيت لمعاينة مريض بمستشفى الملازمين في أم درمان يعاني من مرض ضمن تخصصي. كانت دهشتي كبيرة عندما اكتشفت أنه نفس موظف التربية والتعليم الذي لازلت أذكر كلماته القاسية . ظللت أتابع حالته قرابة أسبوعين حتى تحسنت، وفي اليوم الذي قررت إخراجه من المستشفى، جاءني أحد الممرضين وأخبرني أن هناك امرأة بالخارج جأت لزيارة احدى قرايبها و عندما رأت سيارتي، قالت للممرضين: “هذه سيارة دكتور أبشر” فقالوا لها نعم. فقالت لهم انه ابنى هل ممكن ان ادخل فقالوا لها نعم

دخلت المرأة الغرفة بعد ان سمح النريض بذلك ، وكانت المفاجأة الكبرى؛ إنها “الشول”، أمي، وكم كانت دهشة المريض أكبر. قال لها: “الشول دي انتي؟ والدكتور ده ولدك؟”

خرجنا من المستشفى، وأمي لم تتمالك نفسها وأخذت تبكي بكاءً شديدًا أثار حيرة كل من حولنا. عندما سألوني، لم أستطع أن أخبرهم القصة حتى لا يتأثر المريض. طلبت أمي مني ألا آخذ أجرًا عن متابعة علاجه، ووافقتها على ذلك.

بعد عام، التقيت بهذا المريض مرة أخرى، وسألني مباشرة: “لماذا لم تأخذ أجرة علاجك لي في المستشفى؟” فقلت له بصراحة: “الشول هي من طلبت ذلك.” حينها، بكى بكاءً شديدًا وهو يعانقني، مما أثار دهشة الحاضرين الذين لم يعرفوا سر هذا البكاء.

أما أنا، فلا زلت ممتنًا لهذا الرجل، فبفعله ذاك أتاح لي فرصة معرفية كبيرة بالاحتكاك بالمجتمع من زاوية مختلفة لم تُتح لأندادي، مما كان له أثر كبير في تكوين شخصيتي بكل جوانبها الظاهرة والخفية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *